ابن كثير
253
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
العمل في اتباع الشرع ، فإنه متمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها لقوتها وثباتها . ثم قال تعالى متوعدا لمن عبد غيره وأشرك به ، إنه تعالى يعلم ما هم عليه من الأعمال ويعلم ما يشركون به من الأنداد ، وسيجزيهم وصفهم ، إنه حكيم عليم ، ثم قال تعالى : وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ أي وما يفهمها ويتدبرها إلا الراسخون في العلم المتضلعون منه . قال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا إسحاق بن عيسى ، حدثني ابن لهيعة عن أبي قبيل عن عمرو بن العاص رضي اللّه عنه قال : عقلت عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ألف مثل ، وهذه منقبة عظيمة لعمرو بن العاص رضي اللّه عنه حيث يقول اللّه تعالى : وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن ، حدثنا أبي ، حدثنا ابن سنان عن عمرو بن مرة قال : ما مررت بآية من كتاب اللّه لا أعرفها إلا أحزنني ، لأني سمعت اللّه تعالى يقول : وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ . [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 44 إلى 45 ] خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ( 44 ) اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ ( 45 ) يقول تعالى مخبرا عن قدرته العظيمة أنه خلق السماوات والأرض بالحق ، يعني لا على وجه العبث واللعب لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى [ طه : 15 ] لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [ النجم : 3 پ ] . وقوله تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ أي لدلالة واضحة على أنه تعالى المتفرد بالخلق والتدبير والإلهية ، ثم قال تعالى آمرا رسوله والمؤمنين بتلاوة القرآن ، وهو قراءته وإبلاغه للناس وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ يعني أن الصلاة تشتمل على شيئين على ترك الفواحش والمنكرات ، أي مواظبتها تحمل على ترك ذلك . وقد جاء في الحديث من رواية عمران وابن عباس مرفوعا « من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر ، لم تزده من اللّه إلا بعدا » . [ ذكر الآثار الواردة في ذلك ] قال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن هارون المخرمي الفلاس ، حدثنا عبد الرحمن بن نافع أبو زياد ، حدثنا عمر بن أبي عثمان ، حدثنا الحسن عن عمران بن حصين قال : سئل النبي صلى اللّه عليه وسلم عن قول اللّه : إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ قال : « من لم تنهه صلاته عن الفحشاء
--> ( 1 ) المسند 4 / 203 .